محمد حمد زغلول

24

التفسير بالرأي

5 - كذلك فإن معرفة أسباب النزول لازمة لمن يريد أن يتذوق حلاوة الإعجاز القرآني ويقف على أسرار ذلك ، لأن الحكم على مطابقة الكلام لمقتضى الواقع يستوجب حتما معرفة ذلك الواقع وإدراك أبعاده ، ويتبع تذوق الكلام والتأثر به التطبيق لما جاء فيه والعمل بمضمونه ، فكلما كان تأثر السامعين بالكلام الجميل واتباعهم له كبيرا كان هذا دليلا على بلاغة ذلك الكلام ومطابقته لمقتضى الحال « 1 » . 6 - ومن فوائد معرفة أسباب النزول دفع توهم الحصر ، كما في قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [ الأنعام : 145 ] إن الكفار لما حرموا ما أحل اللّه وأحلوا ما حرم اللّه ، وكانوا على المضادة والمحادة ، جاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلّا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم خبزا ، فيقول : لا اكل اليوم إلا خبزا ، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة ، فكأنه قال : لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل « 2 » . قال الباقلاني « 3 » : « وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا

--> ( 1 ) - المصدر نفسه ص 126 . ( 2 ) - انظر البرهان 1 / 22 . ( 3 ) - هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم المشهور وصاحب كتاب إعجاز القرآن وكتاب التقريب والإرشاد في أصول الفقه ومختصره . توفي سنة 403 ه ( وفيات الأعيان